ابن أبي جمهور الأحسائي

136

كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال

الأصول المحفوظة ، وذلك هو معنى قولهم : « لا بد ان يكون المستدل ذا قدرة على استنباط الحوادث والفروع المتجددة من الأصول » . فينظر فيها بفكره الصائب ، ويراعي فيها الأصول ، ويردها إلى بعضها بأحد الأمارات الشرعية ، ويأخذ حكمها منه ، فإن تعارضت الأمارات عنده ، أو احتمل ردها إلى أصلين ، رجع في ذلك إلى أحوال التراجيح المذكورة في الأصول ، وجزم بما يترجح بها عنده ، فإن لم يظهر له المرجّح ، أو لم يعرف الأصل الذي يرجع إليه ، أو لم يظهر له أمارة سالمة من الإيراد ، وقف في الحكم حتى يظهر له الدليل ، فإن ذلك هو أقصى تكليفه . هذا محل الاجتهاد والاستدلال ، وكيفية تصرف المجتهد في كيفية أخذ الأحكام عن الأدلة الشرعية ، وما كان عليه السلف في اجتهاداتهم واستدلالاتهم ، فاسبر تصانيفهم وأصولهم تجدها كلّها على هذه الطريقة ، حذو البعض من البعض ، وبناء المتأخر على المتقدّم حتى اتصل ذلك بأهل هذا العصر . بل أقول إن الاستدلال والاجتهاد في وقتنا هذا بالنسبة إلينا أسهل منه بالنسبة إلى من تقدمنا ، لأن السلف رحمهم اللّه قد كفونا مئونة الآلات ، وتمهيد الطرق ، وتسهيل الأدلة ، فإنهم جمعوا الآيات المتعلقة بالأحكام واستخرجوها من كتب التفسير ، وأفردوها في كتب منفردة ، ورتبوها بترتيب أبواب الفقه ، وذكروا ما قاله المفسرون في معانيها ، واستنبطوا ما دلّت عليه من الأحكام ، وفرّعوا عليها ما عرفوه بنظرهم من الفروع ، كل ذلك تسهيلا لمن تأخّر عنهم من الطلاب والسلاك ، فلم يبق على من تأخر عنهم غير النظر والمطالعة لما ألّفوه . وكذلك جمعوا الأحاديث من مظان متباعدة ، واستخرجوها من أصول متفرقة ، وضبطوها في أصول مجتمعة ، بعد بيان طرقها ، وتعريف أسانيدها ، وأسماء رجالها الناقلين لها عن الأئمة عليهم السّلام ، بحيث لم يشذ عنهم